السيد جعفر مرتضى العاملي
154
صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )
الحركة في القول والعمل بإطمئنان خاطر ، بعيداً عن ضغوط « 1 » المشركين وفي منأي عن مناطق سيطرتهم ونفوذهم . ولقد رأينا أنّهم كانوا يلاحقون تحرّكات النّبيّ ( ص ) ويرصدونها بدقّة ، ويتهدّدون ، بل ويعذّبون كلّ من يدخل في هذا الدّين الجديد ، ويُخيفون كلّ من يحتمل دخولهم فيه . ثانياً ؛ إنّ الإسلام وممثّله وداعيته الرّسول الأعظم ( ص ) لا يمكن له أن يقتنع بهذا النّصيب المحدود من التّقدّم ؛ لأنّ دينه دين البشريّة جمعاء : « وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ » « 2 » . وما حصل عليه حتّى الآن لا يمكّنه من تطبيق تشريعات الإسلام كافّة ، وتحقيق كامل أهدافه ، ولا سيّما بالنّسبة إلى ذلك الجانب ، الّذي يعالج مشاكل النّاس الاجتماعيّة وغيرها ممّا يحتاج إلى القوّة والمنعة في مجال فرض القانون والنّظام . ثالثاً ؛ ولقد صمد أولئك الّذين أسلموا سنوات طويلة في مواجهة التّعذيب والظّلم والاضطهاد ، حتّى لقد فرّ قسم منهم بدينه إلى بلاد الغربة ، وبقي الباقون يواجهون محاولات فتنتهم عن دينهم بمختلف وسائل القهر تارة وبأساليب متنوّعة من الإغراء أخرى . وإذا استثنينا أشخاصاً معدودين ، كحمزة ، أسد الله وأسد رسوله ، وبعض من كانت لهم عشائر تمنعهم « 3 » ، فإنّ بقيّة المسلمين كانوا غالباً من ضعفاء النّاس ، الّذين لا يستطيعون حيلةً ، ولا يجدون سبيلًا إلّا الصّبر وتحمّل الأذى .
--> ( 1 ) 1 . الضُغطة : الضّيق والإكراه والشّدة ( 2 ) . سبأ : 28 ( 3 ) 3 . وحتّى هؤلاء فإنّهم لم يسلموا من الاضطهاد النّفسي والمقت الاجتماعي المُرّ ، ولربّما يكون ذلك بالنسبة لبعضهم أشدّ من التعذيب الجسدي ، تبعاً لنسبة الوعي والشّعور المرهف الّذي كان يمتاز به بعضهم على غيره .